الشيخ عباس القمي
15
منازل الآخرة والمطالب الفاخرة
فقد يولد الانسان في هذه الدنيا وبدون اختيار منه في عائلة غنية أو فقيرة ، ولكنه قادر على أن يغير طريقة حياته في هذه الدنيا بإرادته على ضوء حركته الذاتية فإنه * ( ليس للانسان إلا ما سعى ) * ( 1 ) و * ( فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه ) * ( 2 ) وقال تعالى : * ( ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا ) * ( 3 ) . وقال تعالى : * ( إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى ) * ( 4 ) وكذلك فان الانسان يولد في العوالم الأخرى بإرادته ويحدد المكان والبيئة والموقع الاجتماعي فيها باختياره وهو في الدنيا ، فان العوالم الأخرى انما تبنى بأعمال الانسان في هذه الدنيا التي يعيش فيها . روى ثقة الاسلام الكليني في الكافي الشريف بإسناده عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : جاء رجل إلى أبي ذر ، فقال : يا أبا ذر مالنا نكره الموت ؟ فقال : لأنكم عمرتم الدنيا ، وأخربتم الآخرة ، فتكرهون ان تنقلوا من عمران إلى خراب . فقال له : فكيف ترى قدومنا على الله ؟ فقال : أما المحسن منكم فكالغائب يقدم على أهله ، وأما المسئ فكالآبق يرد على مولاه . . . " ( 5 ) . * وروي عن سويد بن غفلة أنه قال : " دخلت على أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بعد ما بويع بالخلافة وهو جالس على حصير صغير ليس في البيت غيره ، فقلت : يا أمير المؤمنين بيدك بيت المال ولست أرى في بيتك شيئا مما يحتاج إليه البيت ؟ فقال ( عليه السلام ) : " يا بن غفلة ! أن اللبيب العاقل لا يتأثث في دار النقلة ، ولنا دار أمن
--> ( 1 ) سورة النجم : الآية 39 . ( 2 ) سورة الملك : الآية 15 . ( 3 ) سورة الإسراء : الآية 19 . ( 4 ) سورة طه : الآية 15 . ( 5 ) الكافي : ج 9 ، ص 458 ، ح 20 .